ابن الجوزي
218
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
كنت بايعها من أحد لآثرتك ولكني كنت مازحا وما أبيعها بملك الدنيا / لحرمتها بي وموضعها من قلبي ، فقال العراقي : إن كنت مازحا فإنّي كنت جادا ، وما اطلعت على ما في نفسك ، وقد ملكت الجارية وبعثت إليك بثمنها ، وليست تحل لك ، وما لي من أخذها بد ، فمانعه أياما ، فقال : ليست لي بينة ولكني استحلفك عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنبره . فلما رأى عبد الله الجد ، قال : بئس الضيف أنت ، ما طرقنا طارق ولا نزل بنا نازل أعظم بلية منك ، أتحلفني فيقول الناس : اضطهد عبد الله ضيفه وقهره فألجأه إلى أن استحلفه ، أما والله ليعلمن الله عز وجل أني سأبليه في هذا الأمر الصبر وحسن العزاء ، ثم أمر قهرمانه بقبض المال منه وتجهيز الجارية . فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار ، وقال : هذا لك ولك عوضا مما ألطفتنا ، والله المستعان . فقبض العراقي الجارية وخرج بها ، فلما برز من المدينة قال لها : يا عمارة ، إني والله ما ملكتك قط ولا أنت لي ، ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار ، وما كنت لأقدم على ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ، ولكني دسيس من يزيد بن معاوية ، وأنت له ، وفي طلبك بعث بي ، فاستترى مني ، فإن داخلني الشيطان في أمرك أو تاقت نفسي إليك فامتنعي . ثم مضى بها حتى ورد دمشق ، فتلقاه الناس بجنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية بن يزيد ، فأقام أياما ثم تلطف للدخول إليه فشرح له القصة . ويروى أنه لم يكن أحد من بني أمية يعدل بمعاوية بن يزيد في زمانه نبلا ونسكا ، فلما أخبره قال : هي لك وكل ما دفعه إليك من أمرها فهو لك ، فارحل من يومك فلا أسمع بخبرك في شيء من بلاد الشام . فرحل العراقي ثم قال للجارية : إني قد قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة ، فأخبرتك / أنك ليزيد وقد صرت لي ، وأنا أشهد الله أنك لعبد الله بن جعفر ، وإني قد رددتك عليه فاستتري مني . ثم خرج بها حتى قدم المدينة ، فنزل قريبا من عبد الله ، فدخل عليه بعض خدمه فقال له : هذا العراقي ضيفك الَّذي صنع ما صنع ، وقد نزل العرصة لا حياة الله . فقال عبد الله : مه ، انزلوا الرجل وأكرموه ، فلما استقر بعث